إصداراتنامقالات

من هم جيل Z   وماذا يريدون؟

عبد الحميد أبوزرة

في ساحة المدينة، بدأ الغضب يتحول إلى مقاطع فيديو مفزعة: تظاهرات بدأت سلمية — هتافات، لافتات، أمل — ثم تحوّلت إلى مواجهات، تكسر واجهات محلات، وحرق حاويات، وصدامات عنيفة مع الشرطة. هذا المشهد ليس محصورًا بدولة واحدة؛ إنه صورة متكررة لجيلٍ يعرف كيف يعبّر عن غضبه خلف الشاشات ثم ينقله سريعًا إلى الشارع. السؤال الإشكالي الذي نحاول الإجابة عنه في هذا المقال: من هم جيل Z وماذا يريدون؟

شهدت مدنٌ عدة انفجارًا احتجاجيًا خلال الأيام الأخيرة؛ شباب من جيل Z خرجوا احتجاجًا على بطالةٍ ممتدة، وسياسات تُعتبر فاسدة، ووعودٍ تنموية لم تُترجم. ما يميّز موجة الاحتجاج هذه هو سرعة الانتقال من التعبئة الرقمية إلى الفعل الميداني، وسهولة تفكّكها إلى عنف متقطع طال ممتلكات عامة وخاصة، ما أثار نقاشًا حادًا حول حدود المشروعية في الفعل الاحتجاجي وسبل احتوائه.

جيل Z  الذي رغم حداثة سنه، فقد حمل في ذاكرته أزمة اقتصادية وتحوّرات سوقية جعلت الاستقرار الوظيفي ضربًا من الضباب. هو أيضًا جيلُ شبكاتٍ اجتماعية تُسابق الحدث وتُسرّعه: معلومات مختصرة، صور حادة، وهاشتاغات تنشر استدعاءات للاحتجاج بسرعة قياسية. هذه العوامل تقترن بحسّ أخلاقي تجاه العدالة والبيئة، ومعها توجّس من مؤسساتٍ تبدو عاجزة عن تلبية الاحتياجات أو الاستجابة بالشكل المطلوب.

قبل أن تظهر تظاهرات جيل Z المغربية، كانت دولة النيبال التي تقع وسط آسيا مسرحا لّأحداث مشابهة، و لأنن العالم أصبح مختزلا في شاشة هاتف مرتبط بالأنتريت، فبسرعة انتقلت مشاهد التظاهرات الغاضبة و الجموع الشابة التي تهاجم المقرات الحكومية و قوات الأمن و جابت العالم، في نيبال التي قادها جزء كبير منها شبانُ جيل Z لم تكن مجرد انفجار عاطفي عابر. بل كانت تراكمًا لأسباب هيكلية: تدهور اقتصادي، بطالة واسعة، شعور بالخيانة السياسية بعد وعود إصلاح لم تُنفَّذ، وسياسات رقابية مثل حظر منصات التواصل التي كانت النافذة الأساسية للشباب. بعض التحليلات المحلية تُشير إلى أن قرار حظر المنصات كان الشرارة: إذ حجبت الفضاءات الرقميّة الوحيدة التي من خلالها تشكّل وعيهم ونظّموا أنفسهم، فكان ردّ الفعل خروجًا عارمًا إلى الشوارع وتصادمًا دمويًا مع قوى الأمن. هذه الرواية تُؤكد دور العوامل الاقتصادية والسياسية في خلق بيئة قابلة للاشتعال، ودور الرقمنة كمسارٍ للتعبئة — وليس كسبب وحيد.

حركة جيل Z المغربية، تشبه نسبيا في أهدافها حركة عشرين فبراير مع اختلاف الأجيال، و كذلك اختلاف الشرارة، حركة عشرين فبراير كانت ارتدادا لما سمي حينها بالربيع العربي الذي انطلقت شرارته من تونس و انتشر في الكثير من الدول العربية و حتى الأجنبية، و كانت له مآلات مختلفة، منها التغيير السياسي السلمي أو في أسوأ حالاته تحول إلى حروب أهلية و مرتع لتفريخ الحركات الجهادية  الإرهابية، أما حركة جيل Z  فقد كانت شرارتها الأولى دولية المصدر، لكن كل دوافعها فهي داخلية و تشير إلى وصول حالة الاحتقان السياسي و الاجتماعي إلى درجة التفريغ، ككل الحراكات إن الحراك الشبابي لجيل Z يُشكّل ضغطًا أخلاقيًا وسياسيًا على النظم لكنه عرضة للاختطاف أو الاستيعاب من طرف قوى حزبية ومؤسسات تقليدية إن لم تؤسّس بنى مشاركة ديمقراطية حقيقية؛ والثانية، أن المكاسب الشكلية (مثل وعود إصلاح أو تعديلات دستورية) لا تفي بطموحات الشباب إن لم تُرافقها سياسات اجتماعية واقتصادية ملموسة تُحسّن العيش اليومي. لذلك فإن أي إصلاح المستدام يتطلب تحكيم مؤسسات شفافة ومجالات فعل شبابي مؤطّرًا يشارك في صنع القرار لا كواجهة فقط. هذه الدروس تترجم تحذيرًا عمليًا: إن لم تُحلّ مشكلات البطالة والسكن والفساد بالوسائل المؤسسية، سيظل الشباب يُعِيد تجربة الاحتجاج، وقد تتكرر فيه عناصر العنف عند شعورهم بالعجز عن التغيير عبر القنوات الرسمية.

إن توصيف الظاهرة بهذه الطريقة يعني أن الحل لا يمرّ عبر القمع وحده — فهو قد يطفئ شرارة لحظية لكنه لا يغيّر الأسباب الأساسية — ولا عبر المديح الرمزي للشباب وحده. المطلوب مزيج من: سياسات اقتصادية واجتماعية تعالج البطالة والهشاشة، إصلاحات مؤسسة حقيقية تُعيد بناء ثقة الشباب، فضاءات مشاركة مؤطّرة وشفافة، وحوار حقيقي يترجم التعبئة الرقمية إلى برامج قابلة للتطبيق.

ثورة جيل  Z ليس غضبًا عابرًا، ولا هو مجرد قطيع من متظاهرين عابرين للحدود. إنه ضميرٌ جديد في زمن سريع التبدّل؛ وإذا تحوّل غضبه إلى عنف مدمر فلأن الأبواب المؤسسية أُغلقت في وجهه، أو لأنها لم تُفتح أصلاً. إذًا، أمام السلطات والمجتمع المدني والنخب المثقفة خياران واضحان: إما الاستثمار في سياسات حقيقة تستمع للشباب و تفهم متطلباتهم و تحاورهم و تشركهم ثم تُعيد دمجهم كطرف فاعل، أو الإصرار على مقاربات قمعية وآنية ستولّد المزيد من الموجات الاحتجاجية — وربما أعنف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!